محمد بن جرير الطبري
108
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لا يبصرون . القول في تأويل قوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ قال أبو جعفر : وتأويل ذلك أن المنافقين بشرائهم الضلالة بالهدى خسروا ولم يربحوا ، لأَن الرابح من التجار المستبدل من سلعته المملوكة عليه بدلا هو أنفس من سلعته أو أفضل من ثمنها الذي يبتاعها به . فأما المستبدل من سلعته بدلا دونها ودون الثمن الذي يبتاعها به فهو الخاسر في تجارته لا شك . فكذلك الكافر والمنافق لأَنهما اختارا الحيرة والعمى على الرشاد والهدى والخوف والرعب على الحفظ والأَمن ، فاستبدلا في العاجل بالرشاد الحيرة ، وبالهدى الضلالة ، وبالحفظ الخوف ، وبالأَمن الرعب ؛ مع ما قد أعد لهما في الآجل من أليم العقاب وشديد العذاب ، فخابا وخسرا ، ذلك هو الخسران المبين وبنحو الذي قلنا في ذلك كان قتادة يقول . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ، ومن الجماعة إلى الفرقة ، ومن الأَمن إلى الخوف ، ومن السنة إلى البدعة . قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فما وجه قوله : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وهل التجارة مما تربح أو تنقص فيقال ربحت أو وضعت ؟ قيل : إن وجه ذلك على غير ما ظننت ؛ وإنما معنى ذلك : فما ربحوا في تجارتهم لا فيما اشتروا ولا فيما شروا . ولكن الله جل ثناؤه خاطب بكتابه عربا فسلك في خطابه إياهم وبيانه لهم مسلك خطاب بعضهم بعضا وبيانهم المستعمل بينهم . فلما كان فصيحا لديهم قول القائل لآخر : خاب سعيك ونام ليلك ، وخسر بيعك ، ونحو ذلك من الكلام الذي لا يخفي على سامعه ما يريد قائله ؛ خاطبهم بالذي هو في منطقهم من الكلام فقال : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ إذ كان معقولا عندهم أن الربح إنما هو في التجارة كما النوم في الليل ، فاكتفى بفهم المخاطبين بمعنى ذلك عن أن يقال : فما ربحوا في تجارتهم ، وإن كان ذلك معناه ، كما قال الشاعر : وشر المنايا ميت وسط أهله * كهلك الفتاة أسلم الحي حاضره يعني بذلك : وشر المنايا منية ميت وسط أهله ؛ فاكتفى بفهم سامع قيله مراده من ذلك عن إظهار ما ترك إظهاره وكما قال رؤبة بن العجاج : حارث قد فرجت عني همي * فنام ليلي وتجلى غمي فوصف بالنوم الليل ، ومعناه أنه هو الذي نام . وكما قال جرير بن الخطفي : وأعور من نبهان أما نهاره * فأعمى وأما ليله فبصير فأضاف العمى والإِبصار إلى الليل والنهار ، ومراده وصف النبهاني بذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَما كانُوا مُهْتَدِينَ يعني بقوله جل ثناؤه : وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ما كانوا رشداء في اختيارهم الضلالة على الهدى ، واستبدالهم الكفر بالإِيمان ، واشترائهم النفاق بالتصديق والإِقرار . القول في تأويل قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً وقد علمت أن الهاء والميم من قوله : مَثَلُهُمْ كناية جماعة من الرجال أو الرجال والنساء . و " الذي " دلالة على واحد من الذكور ؟ فكيف جعل الخبر عن واحد مثلا لجماعة ؟ وهلا قيل : مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارا وإن جاز عندك أن تمثل الجماعة بالواحد فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبته صورهم وتمام خلقهم وأجسامهم أن يقول : كأن هؤلاء ، أو كأن أجسام هؤلاء ، نخلة .